أوراق
ثلاثية الفكر و الحبر و البوح
نواة و الكترونات


على العتبة: الصمود شجرة حتما تنبت في السماء

            فيا جذورنا العلوية المبتورة متى الوصل؟..

 

الفوضى العارمة التي يعيشها العالم و التعقيد الذي يشوب واقعنا و قضايانا و أوطاننا يُشعر المرء بكثير من الغربة مع ذاته لعدم قدرته على الفهم و على استيعاب جوانب كثيرة من الأحداث كما تَحُد  من قدرته على التحرك الفاعل والمجدي.

الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة و الاعتداءات السافرة المنافية لكل الشرائع و التشريعات و "الشرعيات"،

انتهاكات حقوق الإنسان الفلسطيني و كل التقتيل و الدمار و الموت الذي تتقنه آلة الحرب الإسرائيلية.

إحساس جماهير العالم العربي و الإسلامي في مشارق الأرض و مغاربها بالظلم و الهوان و الضعف و بكثير من الغضب و الحنق على واقع مرير و سياسات قُطرية متفرقة، ضعيفة، متواطئة، خانعة و عاجزة.

و عالم غربي يرقص على جثة الضحية، لا تحركه إلا مصالحه و لا تعنيه قيم إنسانية، يصمت و يدعم الجرائم التي يرتكبها الإسرائيليون ضد مدنيين عزل في قطاع غزة.

كلها مشاهد بشعة و حلقة مفرغة من صمت و تواطؤ وظلم و خنوع و عجز.  

و أمام هذا الواقع المعقد و الفوضوي، أمام هذه الوضعية التي أصبحت مزمنة كلنا تساءل كيف يجب ان يكون شكل حركتنا للتغيير؟

 

إن الدماء الزكية التي سالت على ارض غزة و كل ذلك القتل و الدمار و العنف كان صاخبا صارخا  بما يكفي ليحيي في جماهير الأمة ضرورة فعل شيء ما، و إلزامية تحمل كل فرد منها مسؤوليته التاريخية و الوطنية و الدينية و الإنسانية.

فمن تداعيات الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة تشَكلُ وعي لدى الشعوب، و أعتقد أن الرأي العام العربي تجاوز شكله السياسي ليرنو لرأي عام تاريخي كفيل بتغيير الواقع على المدى المتوسط و البعيد. لكن تغيير مجرى التاريخ لا يتأتى إلا بجهد مستمر و مكثف و بتحرك موجه نحو أهداف معينة.

المسألة تتعدى كونها غضبة و هبة كرد فعل على اعتداءات إسرائيلية، كانفعال ضد الظلم و انعدام للعدالة في هذا العالم بل هي استثمار للوعي الشعبي و الفردي و حتى المؤسساتي لضرورة  العمل على بناء و رسم واقع جديد نصرة للحق و العدل و نصرة لشعوب مضطهدة و مظلومة و مسلوبة الحق و نصرة للإنسان العربي.

 

إن فعلنا و تحركنا في اتجاه الأهداف التي أسلفت لا يجب إلا أن يكون على شكل الذرة. و ما الذرة إلا نواة و مجموعة إلكترونات بل هي حركة الكترونات حول نواة ما. و الذرة هي كل ما نرى حولنا هي الكون.

أؤمن أنه بغياب نواة و مركز لن تكون لنا حركة منظمة في اتجاه صنع شيء ما. و النواة قد تكون فكرة، شخصية، جماعة، مؤسسة، دولة ... المهم قدرتها على الجذب و التأثير و التعبئة ضمن نظام متقن تماما كالذرة قادر على تحقيق المعادلة بين السالب و الموجب في هذه الأمة.

الذرة ذلك الجزء المتناهي في الصغر يعلمنا الكثير، فالمتناهي في الصغر المنظم يؤسس للكبير العظيم. و بذلك لا نستصغر جهدا و لا نحتقر عملا لبساطته.

و على امتداد الوطن العربي الكبير لا نرى تجليا واضحا و نموذجا لهذه التركيبة إلا في قطاع غزة و فكر المقاومة.

المقاومة نواة يدور حولها الكترونات كثيرة يشكلون ذرة لأمور عظيمة، ما يفعله الإسرائيليون و تحديدا من خلال هذه الحرب هو محاولة بعثرة و تشتيت الالكترونات و إحالتها عن مسارها ألدوراني، يريدون أن يرتد الفلسطينيون عن المقاومة و بذلك يخِلون بتماسك هذه التركيبة فلا تكون هناك ذرة وإنما ضر و ضرر.

اِعتقد الإغريق قديما أن الذرة غير قابلة للانقسام لذلك أسموها  "اتوموس" و هي نظرية أُثبت عدم صحتها لكن هناك ذرات لا يمكن أن تنقسم أو تنشطر تلك الموصولة بالسماء، المشمولة بعناية المولى الجليل.

إسرائيل قد تكون دمرت و قتلت و جرفت لكنها قطعا لم تستطع و لم تنجح في اختراق هذه التركيبة و إسقاط المقاومة. فندرك بجلاء أن القوة  نواة و الكترونات و إخلاص و وفاء.

و لا أرى شكلا أمثل لتحركنا إلا بهذه الطريقة على أن نجعلها قاعدة في كل ما نقوم به، بدون ذلك  سنبقى مجموعة نوى مطمورة غير ظاهرة  و الكترونات متناثرة في كل مكان لا تشكل حركة منظمة بل مشهدا عبثيا.


يقال أن الحماقة الكبرى هي أن تفعل الشيء مرة بعد أخرى وتتوقع نتائج مختلفة، و قد حان الوقت كي نغير من تكتيكنا و استراتيجياتنا و ببساطة أن نغير طريقة عملنا، أن نجرب سبلا أخرى مادام كل ما خضناه آنفا فشِل و خاب. أول الطريق "تطهر"، النار أكثر ما يطهر و ما الحرب و النار الإسرائيلية إلا تطهير لكثير منا، تمييز بين الخبيث و الطيب و بداية استواء.

الحرب على غزة لن تكون حتما الأخيرة و ربما البداية، كونها تتوقف لا يعني أن ننسى دورنا في تغيير كل ما حولنا في بلداننا، لذلك العملية هي تحرك يومي و مستمر. كل من موقعه، أيا كان موقعه عليه الإصلاح و التحرك نحو التغيير في كل المجالات برؤية واضحة و موجهة.

إن الذرات تلك العناصر المتناهية في الصغر هي هذا الكون العظيم الذي نراه و كثير مما لا نراه، علينا أن نشكل ذرات، مهما كانت متناهية في الصغر، فهي حتما ستؤسس كوننا و عالمنا، نصرنا و عزتنا يوما.

نزهة شكري


Add a Comment

اضيف في 19 يناير, 2009 12:19 ص , من قبل عبد اللطيف
من المغرب said:

"الذرة ذلك الجزء المتناهي في الصغر يعلمنا الكثير، فالمتناهي في الصغر المنظم يؤسس للكبير العظيم. و بذلك لا نستصغر جهدا و لا نحتقر عملا لبساطته"
والآن.. وقد هدأت العاصفة.. جاءت قراءته للحدث بسيطة وعميقة جدا...
والأهم هو ما يقع على عاتقنا نحن في استغلال اليقظة التي والروح التي سرت في الشارع العربي وتحويلها إلى قوة ضغط تكون كفيلة بتغيير جزء من معالم واقع مشوه ومثير للشفقة...
أليس كذلك يا نزهة..

اضيف في 19 يناير, 2009 11:24 ص , من قبل YUBA
من المغرب said:

أولا الحمد لله على سلامتك
لما بدأت المجزرة في غزة تذكرتك، فألقيت نظرة على مدونتك لم أجد ما أبحث عنه ظننت نزهة تزوجة وأدنت لزوجها ونسيت قضايا أمتها، فإذا بي أجد على بريدي -بعد انتهاء الفصل الأول من المجزرة- إدراج جديد لك.
على كل حال موضوع متميز لكنه لا يخرج عن دائرة ردة الفعل.
دمت ودامت فلسطين

اضيف في 21 يناير, 2009 01:06 م , من قبل خالد جعشان
من قطر said:

السلام عليكم
ستظل القضيه الفلسطينيه هي المحرك الأوحد لأتحاد المسلمين في أرجاء المعموره

لكن ما أثلج صدري في هذه النكبيه هي أفاقت الأمه الأسلاميه وتوحدها ضد أنظمتها الراقده

اضيف في 22 يناير, 2009 12:17 ص , من قبل الخمليشي عبدالسلام
من إسبانيا said:

الحمد لله على السلامة
أتمنى أن تكوني قد إسترحت بعد غيابك بما فيه الكفاية.
فظهرت أخيراربما للإستفزاز المسلط علينا ، لتسلطي الضوء على لب الصراع ، وهو الوعي بذواتنا الفاعلة للتغيير.
أصاب الإعياء الإنتهازيون وتبابعة الأعداء في تثبيت الإحباط في وعينا بمقولتهم بأننا مجرد ذرات متناثرة مبعثرة تلعب بها مشيئة الرياح في مجرى الحياة .
لكن خاب ظنهم فالذرات بإليكتروناتها لا حياة لها بدون نواة.
وكذلك هو الحال لكل أفراد شعوبنا لا حياة ولا حراك لهم بدون نواة .
والنواة هي الهاجس النابض لثقافتنا المغروسة في الأرض والتاريخ تأبى ولا يمكن لها أن تسقط أمام إمتدادات واعتداءات وحقد الإستعمار .
شكرا لك نزهة على هذا الموضوع

اضيف في 22 يناير, 2009 08:20 م , من قبل سامية عيّاش
من لإمارات العربية المتحدة said:

تماما يا نزهة،
أستطيع القول إنك اختصرتِ الكثير من مراحل الفهم، بالنظر من الجوانب كلّها!
فأنتِ لم تتوقفي أمام أسباب الحرب، ولا ما آلت إليه وما خيرها من الألم الذي ينتج عنه، بل جمعت هذا كله بفكرة "كيميائية" تشكل الكون..

أسجل اعجابي عزيزتي،
ع فكرة: صايرة خطيرة يا نزهة!!

اضيف في 07 فبراير, 2009 11:15 م , من قبل أبو أيمن
من المغرب said:

السلام عليكم
تحية للاخت نزهة،و عودة موفقة بمعالجتك القيمة لقضية الأمة الأولى. أتمنى لك الاستمرار في هذا الخط.



Add a Comment

<<Home