ستنظم الجامعة حفل تعارف لطلبة السنة الاولى في الجامعة . وسوف يتضمن فقرات تمثيل وغناء ومسابقات، الخ. لم يسبق ان وقفت أمام حشد من اساتذة الجامعة ونحو مائتي طالب وطالبة .. لأقول بصوت مسموع: أنا مجيد عبد الرزاق البرغوثي، من قرية ديرغسانة ، قرب رام الله، سنة اولى، لغة انجليزية، هوايتي الرسم والكتابة والمطالعة والرحلات. ثم اجلس. قررت ان اتغيب عن الحفل، فذلك هو الحل الاسهل. وفجأة ظهر لي مجيد آخر واقترح علي حلا اصعب. لماذا لا تقدم فقرة من فقرات الحفل؟ فيضطر عريف أوعريفة الحفل الى تقديمك للحضور، فترتاح من الجمل الاولى، ثم تقف بعد ان اصبحت معروفا، لتقول ما لديك. اكتب اشياء تحبها واشياء لاتحبها في الحياة، بحيث تكون طريفة وخفيفة تتضمن شعرا ونثرا وانتقادات للجامعة او قوانينها، وما رايته خلال الشهر الاول من السنة الاولى. بدأت اكتب. وقدمت ذلك الى لجنة التنظيم فوافقت. وفي مساء اليوم المحدد، وقفت عريفة الحفل تقدمني، والآن أقدم لكم ... الخ. صفق الحضور. ووقفت: نقرت على المايكروفون ثم نفخت فيه. ونظرت الى الجمهور، بعضهم كان لا يزال يصفق، وبعضهم انزل يديه منتظرا، واخرون يتحدثون ويتلفتون. رفعت صوتي قائلا: أحب التصفيق الحاد. فدوت القاعة بتصفيق كزخ المطر. فذاب الخجل والخوف، وفرحت لانني لم اهرب من المواجهة، واكتشفت ان اختيار السهل، اقل متعة من صعود الجبل.
في منتصف العام الدراسي في الصف الثالث الابتدائي انتقل الاهل من بلد الى بلد، فنقلت من مدرسة صغيرة الى مدرسة اكبرا حجما واعلى سورا واكثر طلابا. في اليوم الاول كنت غريبا عن الصف الذي تعارف تلاميذه قبل وصولي، فلم اكن اعرف احدا منهم ولا احد منهم يعرفني، وكذلك الاساتذة. دخلت الصف الجديد وكنت من اصغر الطلاب سنا، ودخل استاذ متجهم: قيام، فقمنا، جلوس، جلسنا. وبعد وقت قصير حدق في التلاميذ، وسأل: ما هو أعلى جبل في فلسطين؟
كنت قد قرات الدرس من قبل، خوفا من أن يسالني الاستاذ فلا أجيب، فاعاقب، فأرسب في المادة، وهو أمر لم اكن احب ان اجربه على الاطلاق. رفعت اصبعي ، ثم انزلتها لأن قلبي وصل الى حنجرتي، ولن يرتفع صوتي ولن يسمعني احد وسأبدو مضحكا. نظرت حولي ولم اجد تلميذا رافعا اصبعه. هذه اذن فرصة من السماء اثبت فيها جدارتي كتلميذ مستجد. رفعت اصبعي مرة اخرى وانزلتها بسرعة البرق. لاحظ الأستاذ انني متحمس للاجابة، فلم يسالني، فحزنت. وقال، شكلك عارف ودارس، فانتعشت. لكنه سأل اثنين، ثم الثالث، ولم يجب احد. ظل الصف ساكتا تماما. ثم نظر الاستاذ الي وقال: انت، جاوب: لم اقف، اجبت جالسا: جبل الجرمق ويرتفع عن سطح البحر 1208أمتار، وقبل ان اكمل، قال الاستاذ: صفقوا له، فدوت قاعة الصف بالتصفيق. وأحسست انني وصلت الى قمة جبل الجرمق، دون ان أراها، ودون ان ارى الجبل .. حتى اليوم.
التصفيق نقلني من مرارة الخوف في حلقي الى تذوق حلاوة النجاح بل التفوق في المراحل الدراسية اللاحقة. لا اتذكر اسم الاستاذ، او ملامحه ولا حتى ملامح التلاميذ، اتذكر التصفيق، وهو اسهل واسرع وارخص حافز مشجع على النجاح، والاحساس بالتقدير. والناجح يرفع ايده.
درست اللغة الانجليزية، لطلبة المدارس الاعدادية والثانوية، مدة 4 سنوات، وذات يوم طلبني الناظر للتحدث في موضوع هام، حسبما قال. فتساءلت: خير ان شاء الله؟ فقال وهو يمسك بيدي اليمنى ويصطحبني الى مكتبه: " فيه عندي قريب ذهب الى تركيا، واشترى ماكينة للتنقيب عن الذهب، وهي غالية الثمن، ولم يفهم تماما كيفية استعمالها، ولكن اعتمد على هذا الدليل، ( الكتالوج) المرفق معها. وارجو منك ان تترجم هذا الدليل، 3 صفحات بالبنط الصغير، وخذ وقتك، لغاية بكرة الصبح. ولكن قريبي كبير في السن وعنيد، والمسالة مهمة جدا، وفيها قتل اذا ضاع الدليل. ولا يريد ان يعرف احد عن الماكينة ولا الكتالوج ".
وعدته بكتمان امر الكتالوج وترجمته وارجاعه مع الترجمة في صبيحة اليوم التالي.
عدت الى البيت، ووضعت الدليل على احد الكراسي في مدخل البيت، ولاحظت وجود، قريب حميم قد حل ضيفا عندنا مع زوجته واطفاله. فانشغلت مع الاهل والضيوف بتناول الغداء والحديث حتى وقت متاخر. ثم تذكرت دليل ماكينة الذهب. فأسرعت الى الكرسي فلم اجد الدليل، وقلبت البيت، حتى احس الجميع انني فقدت شيئا هاما وثمينا. وبدأوا بالبحث معي. الى ان وصلنا الى الحمّام، اجلكم الله، فكان دليل ماكينة الذهب قد تحول الى سفينة في مغسلة الحمّام. كان أحد ابناء الضيف العزيز يُغطس السفينة ثم يخرجها بيديه. تحول الورق الى المرحلة السابقة على تكوينه، عاد عجينة بيضاء، ولو جففته لعاد خشبا فشجرا. في اليوم التالي، جن جنون الناظر، ولم يصدق انني لم ابع الدليل لاحد رجال الاعمال، وحضر الى بيتنا، وتعرف على الاهل، وصدق ماجرى، وحرَّمت ان أعِد أحداً بشيء، ولكنني وعدت، ونفذت احيانا، واعتذرت احيانا، ولكن ذلك هو اكثر الطلبات طرافة وخطورة واقلها حظا في التنفيذ، ففكر قبل ان تعطي وعدا لأحد.
ضعوا الاقلام .. وضعت القلم، انتهى آخر امتحان في آخر سنة " بكالوريوس لغة انجليزية" وكان عن شكسبير وأعماله .. خرجت ..أستعيد كلمات هاملت المشهورة: " تو بي أور نات تو بي .. أكون او لا أكون، هذا هو السؤال". اتجهت الى بوابة الجامعة بانتظار الدليل الذي سارافقه الى غور نهر الاردن بالسيارة، ثم نعبر مخاضة في النهر يكون منسوب الماء فيها قليلا، ثم نتجه غربا الى مزرعة قرب اريحا سيرا على الاقدام، ثم نستقل اية مواصلات الى رام الله حيث الاهل والاحتلال الكامل لفلسطين. كان ذلك في شهر حزيران/يونيو من عام 1969، يعني بعد حرب ونكسة عام 1967، حين اصبح الفلسطينيون 4 فئات هي: لاجئو 1948، ونازحو 1967، ( وانا منهم)، وفلسطينيو الداخل 1948، وفلسطينيو الداخل أيضاً ( الضفة وغزة).
يقال ان مشوار الالف ميل يبدأ بخطوة واحدة. واضيف عليه انك اذا وصلت الى ضفة النهر، فلا بد ان تقفز. وهذه القفزة لا تنقلني الى بيتنا فقط، بل تنقلني من الكلام الى الفعل، ومن التفكير في الخطر، الى لقائه. بعد اجتياز النهر، ترى على امتداده طريقا ترابيا رسمته الدبابات والمجنزرات الاسرائيلية. وامامك الغور، ارض جرداء، وسماء مفتوحة وشمس حارقة تضطر الى حملها على ظهرك طول الطريق. واذا لمحك العدو، تصبح سجينا او اسيرا او قتيلا او شهيدا. لم يحدث ذلك، لاننا مشينا المسافة المخيفة المفتوحة من النهر الى المزرعة المقصودة اثناء وقت تناول جنود العدو لغدائهم الساعة 12 ظهرا. مشينا ساعات، ولكن ليس في الامر بطولة ادعيها. ولا اشتباك ولا انتصار. هو مشوار فيه مخاطرة، ينتهي الاحساس بالخطر بعد ان تضع قدميك على الضفة الغربية للنهر، لانك تصبح داخله، وما دمت تمشي فانت في امان الله. وصلت، الى بيتنا، وضربت الجرس بهدوء. وفتحت امي الباب.
لم اكترث بجبروت اسرائيل، لكنها ايضا لم تشعر بدخولي، فبكيت لانني لم اكن صلاح الدين.
اما بالامس القريب جدا، فقد كنت ادردش مع 3 اشخاص على " الانترنت". وسالتني الست نزهة اذا كنت ساشارك في هذه اللعبة، حتى تضع اسمي بين الاشخاص المطلوب منهم كتابة 5 صفات شخصية فيهم لقراء هذا الموقع الاعزاء، فقلت لها موافق، كتبت ذلك اولا على الشاشة التي امامي، فجاء الرد: على شو، فقلت، على المشاركة في اللعبة، فكان الرد، اية لعبة، واكتشفت انني كنت اكتب ذلك لأحد اقاربي. شيء مضحك طبعا.
تذكرت ما قاله نزار قباني .. ان الكلمات تموت حين تقال، ولكن يمكن تفسير هذه الجملة على وجهين. فالكلمات حين تقال تكون قد ادت مهمتها في نقل المعنى المقصود، وماتت. ولكنها تكتسب حياة جديدة عند الذي سمعها او قرأها، وتعود اليه من جديد. وفي الحالتين لن تستطيع استرجاع الكلام. كيف تسترجع الكلمات بعد ان تنشرها؟ او تلفظها؟ والرسالة الالكترونية بعد ان تضغط على زر الارسال؟ كيف تسترجع امس الذي انقضى، والاوطان التي تضيع؟ شيء ينقلنا معا الى البداية، الى الثقة، والنجاح والتفكير الايجابي، والاستعداد. لا بد دائما من خطوة الى الامام، وقفزة في النهر، بل في المحيط الاطلسي، ضد حلف الاطلسي وحلفائه جميعا، رغم ان العرب سمته قديما بحر الظلمات. وها هي الظلمات تزحف شرقا الى فلسطين وافغانستان والعراق، وغدا الى ايران وسوريا وحزب الله وحماس،ولكن روح المقاومة تختم مداخلتي الطويلة بهذه الابيات :
سمعتكَ تشكو سوادَ الليالي
فكيـف تجاهلت وجه القمـر؟
إذا سَـوَّدَ الليـلُ زاويـةً
فلا تحسَبَـنَّ السـوادَ اننتشـــر
تأمَّل بروحِكَ في ما تـرى
فنورُ البصيرةِ يَهـدي البصر
تأمـل قليلا .. ولا تكتئـب
فإنَّ دواءَك حُســـنُ النظـر!
مجيد البرغوثي
شاعر وكاتب فلسطيني
http://www.majeedbarghouthi.net
http://majeedb.maktoobblog.com






said:

said:



من المغرب